الطبراني
17
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقد ترك صلّى اللّه عليه وسلّم جميع ما بين دفّتي المصحف مكتوبا قد كتب بين يديه ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : دخلت أنا وشدّاد بن معقل على ابن عبّاس رضي اللّه عنهما فقال له شدّاد بن معقل : أترك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من شيء ؟ قال : ما ترك إلا ما بين الدفّتين . قال : ودخلت على محمّد بن الحنفية فسألناه فقال : [ ما ترك إلّا ما بين الدفّتين ] « 1 » فالإجماع منعقد على أن جميع آيات القرآن في سورها قد كتبت بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حين كان ينزل بها الوحي مباشرة ، وأنّها كتبت في صحف . وتوفّي الرسول الأعظم وهو قرير العين على القرآن معجزته الكبرى التي قامت حجّة على العرب وعلى العالم . ولم يكن يخشى على آيات القرآن الضياع لأن اللّه حفظ القرآن بنصّ صريح إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 2 » ولأنه كان قد ثبّت هذه الآيات كتابة بين يديه وحفظا في صدور الصحابة وأذن للمسلمين أن يكتبوا القرآن . ولذلك لم يشعر الصحابة بعد وفاة الرسول أنّهم في حاجة لجمع القرآن في كتاب واحد أو في حاجة إلى كتابته ، حتى كثر القتل في الحفّاظ في حروب الرّدّة ، فخشي عمر من ذلك على ضياع بعض الصّحف وموت القرّاء ، فتضيع بعض الآيات ، ففكّر في جمع الصّحف المكتوبة ، وعرض الفكرة على أبي بكر وحصل جمع القرآن . عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال : [ أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطّاب عنده . قال أبو بكر رضي اللّه عنه إنّ عمر أتاني فقال : إنّ القتل قد استحر يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال عمر : هو واللّه خير . فلم يزل عمر يراجعني حتّى شرح اللّه صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنّك رجل شاب عاقل لا نتّهمك ، وكنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتتبّع القرآن
--> ( 1 ) رواه البخاري في الصحيح : كتاب فضائل القرآن : باب من قال : لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين : الحديث ( 5019 ) . والإمام أحمد في المسند : ج 1 ص 220 بلفظ : [ إلّا ما بين هذين اللّوحين ] وإسناده صحيح . ( 2 ) الحجر / 9 .